هنا السويد| هنا أوروبا| أخبار| ثقافة| آراء| منوعات| طب وتكنولوجيا| كشف المستور| تحقيقات ومقابلات| أخبار الهجرة| رياضة
مقالات سابقة

الارشيف
الشهر: السنة:
مقالات اخرى
تدوينات اخرى
آراء
د. حسن السوداني : عودة المسوخ .. قراءة في تداعيات عودة الارهابيين السويديين من مناطق الاشتباك

2017/12/16 10:22:06 AM

تمهيد:

بعد الانتهاء من قراءتي لرواية "جزيرة الدكتور مورو" للكاتب الانكليزي (أتش جي ويلز) (1) بترجمتها الحديثة للمترجم العراقي  علي سالم  ووصولي الى فصلها الأخير حين يبدأ المتحولون بالعودة إلى جذورهم الحيوانية التي جاؤوا منها حتى قفزت إلى ذهني فكرة أن الفعل التكنولوجي  المتداخل مع الأصل البيولوجي للكائنات لا يمكن ان يكون بديلا دائما وفعالا دون ان يترك ندوبا في النفس او الذاكرة وحتى في المظهر الخارجي فضلا عن الأثر الأخلاقي المتأتي من ممارسة الخطيئة بكل أشكالها المتدنية! هذا الأمر لا يختلف كثيرا عن أولئك  المتحولين فكريا,  فالتجارب الاجتماعية تثبت لنا ان التبني الفكري لمعتقدات دينية أو سياسية أو اجتماعية مغلقة سترافق معتنقيها الى النهايات حتى وان أعلن هؤلاء أنهم تخلوا عنها وان اغلبهم سيبنون كهوفا جديدة لا تختلف كثيرا عن تلك التي خرجوا منها ويصبحون بمرور الوقت أكثر قسوة مما هم عليه رفاق الأمس! 

المشكلة:

وفقا لتصريحات المسؤولين السويديين من سياسيين وموظفين حكوميين ورجال البوليس والمخابرات ان الأعداد المعروفة والمتداولة في أجهزة الإعلام السويدي عن السويديين الملتحقين بالمنظمات الإرهابية في مناطق الاشتباك العراقية والسورية قد تجاوز ال300 سويدي ووفقا لتصريحات  وزير العدل السويدي أندريس إيجيمان أن إجمالي عدد المواطنين السويديين الذين تأكد مقتلهم خلال مشاركتهم فى القتال فى صفوف تنظيم داعش بلغ 32 سويدي(2) كما ان أن جهاز المخابرات السويدية أكد أيضا نفس الرقم الذي أعلنه الوزير خلال مقابلة صحفية، كما أعلن مدير جهاز الاستخبارات السويدي أندرش ثورنبيري، أن هناك عناصر ينتمون إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في السويد، لهم النية والقدرة على تنفيذ هجمات إرهابية في البلاد، وعبّر عن خشيته من انضمام 300 عنصر يحمل الجنسية السويدية أو مقيم فيها إلى التنظيم المذكور، وأن ما لا يقل عن 40 منهم عادوا إلى السويد بعد مشاركتهم في القتال.

 

تفسير المشكلة:

قبل سبع سنوات من تاريخ كتابة هذا الدراسة لم تكن السويد تطفو أخبارها (الداكنة) على سطح التداولات الإخبارية في العالم غير ان عام 2010  شهد حادثاً إرهابياً صادما عندما قام تيمور عبد الوهاب العبدلي وهو يحمل الجنسية السويدية ومولــــود بالعراق بتفجير قنبلتين في وسط استكهولم. وكان تيـــمور قد تطرف عندما كان يعيش في لوتــــون ببريطانيا وهي منطقة تنتشر بها مناخات التطرف. ومن ذلك التاريخ بدأت الأوساط الاجتماعية ومنابرها الصحفية تتحدث عن وصول الأفكار المسمومة إلى النسيج الداخلي السويدي بالرغم من وجود محاولات (إرهابية ) سبقت هذا التاريخ منذ جريمة اغتيال رئيس وزراء السويد أولف بالما في 28 فبراير 1986 واغتيال وزيرة الخارجية السويدية انا ليند في الحادي عشر من سبتمبر 2003 الآ ان تلك الحوادث ظلت في طي الأسباب الغامضة ولم تكشف السلطات السويدية الأسباب الحقيقية التي كانت وراءها وربما اكثرها غرابة هو ما قاله ميهايلو ميهايلوفيتش قاتل انا ليند بان دافع الكراهية هو الذي وكزه لارتكاب تلك الجريمة البشعة!! حادثة تيمور الإرهابية قد حرفت أنظار المجتمع إلى المارد الإسلامي الذي بدأت أولى أبخرته بالظهور من قمقم المساجد والجمعيات والتجمعات ذات الخلفية الإسلامية وبدا مصطلح (فوبيا الإسلام) تتداوله الصحف أكثر من ذي قبل غير ان سقوط مدينة الموصل العراقية وإعلان إبراهيم عواد إبراهيم البدري الملقب بابي بكر البغدادي عن تأسيس دولة الخلافة الداعشية وتوحد الكثير من المنظمات الإرهابية تحت عباءة التنظيم الجديد وما رافقه من بث مصور لبسط نفوذه على مساحات واسعة من العراق وسورية قد سارع بظهور أخبار كثيرة في الصحف الأوربية عن بدء التحاق االكثير من شباب تلك البلدان بصفوف التنظيم الجديد ووفقا لما قدّرت دراسة أجرتها        “King's College London” البريطانية ان  نحو خُمس عدد مسلحي داعش في الموصل، البالغ عددهم 3700 شخص تقريبًا، هم من مواطني أوروبا الغربية أو المقيمين فيها، ووفقا لدراسات منشورة ان الكثير من نسب الملتحقين بهذا التنظيم كان من حصة البلدان الاسكندينافية فقد أعلنت الدنمارك ان  حصيلة المقاتلين الملتحقين بصفوف داعش تتخطى 2000 مقاتل أما بقية الدول الأوربية فالأعداد فيها تثير الغثيان فعلا ! ففي فرنسا وحدها تجاوز الرقم 1700 مقاتل وبريطانيا 800 مقاتل  ويقدر عدد المنضمين من ألمانيا بـ750 مقاتل و450 بلجيكي و150 مقاتل اسباني وأعداد متباينة من هولندا واليونان والنرويج .(3)

 

 

أسباب انضمام الشباب الأوربي للتنظيمات الإرهابية:

يستبعد بعض المحللين من خارج المجتمع الأوربي ان تكون أسباب انتماء الشباب الأوربي للتنظيمات الإرهابية هي أسباب اقتصادية ويعزون ذلك لفكرة التكافل الاجتماعي التي تتبناها معظم الدول الأوربية غير ان الباحث  ومن خلال إقامته لأكثر من عقدين داخل هذا المجتمع يعد العامل الاقتصادي احد أسباب ذلك الانتماء فالبرغم من ان تلك الإحصائيات المنشورة لا تشير الى انه هؤلاء هم سويديون أصليون ام بالاكتساب من خلال الإقامة الا أن أكثر المؤشرات تؤكد ان اغلب هؤلاء هم من ذوي الأصول الأجنبية وهو يعانون من نوع من أنواع التمييز العنصري بسبب أسمائهم وسحنهم وانحداراتهم العرقية وبدأت هذه الظاهرة تبرز بشكل جلي من خلال أحداث مناطق روغسفيد وسكوغوس وهوسبي وفروينغن، يوردبرو وهاغسيترا في العاصمة السويدية ستوكهولم  التي يعتبر معظم سكان تلك المناطق من ذوي الخلفيات الأجنبية. وعرفت أحداث الشغب تدخل قوات الشرطة بعنف وتلفظهم بكلمات عنصرية ضد الشبيبة، حسب ما صرحت به منظمة "ميغافونين لتحقيق العدالة الاجتماعية"(4) ولم تتوقف هذه الاحداث على العاصمة بل تعدتها الى مدن لينشوبنك واوربرو ايضا وبالرغم من ان شرارة الاحداث انطلقت بسبب  مقتل رجل كبير في السن (69 سنة) على يد الشرطة السويدية لعدم امتثاله لأوامرها فان ذلك لم يكن السبب الوحيد  لقيام تلك الإعمال بل الشرارة التي أشعلت فتيل الاحتجاجات الشبابية بسبب البطالة المستشرية في أحياء المهاجرين وعدم قدرة الدولة في معالجة الأمر وهو ما استدعى  اتا مارغريت ليف، من حزب اليسار المعارض  ان تقول في صحيفة «سفينسكا داجبلادت»، لقد «فشلنا في إعطاء الكثيرين في الضواحي أملاً بالمستقبل» في حين اكدت  الباحثة في جامعة ستوكهولم، إيفا اندرسون، لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ.) أن "خطر أعمال الشغب أكبر في المناطق المعزولة حيث يعيش الكثير من الأفراد على الإعانات" (5) وإذا تخطينا العاملين الاقتصادي والعنصري فان السويد تعاني من مشكلة التاكد من القادمين الجدد اليها من مناطق النزاعات وعدم القدرة على تمييز  البريء من المجرم  الا في حدود ضيقة جدا فالجميع يدلي بشهادته إلى موظف الهجرة المسؤول على ملف المهاجرين من خلال سرد قصته مع الدكتاتوريات التي أتى هاربا من طغيانها والبعض من هؤلاء غالبا ما يكونون من ادوات تلك الدكتاتوريات وسياطها الموجعة على ظهور الابرياء ويمكن سرد الكثير من الحكايات عن مقابلة الأبرياء لجلاديهم على ارض السويد في مناسبات متعددة , بمعنى اخر ان قدرة السلطات السويدية في تدقيق هوية القادمين لا تسعفها في تحديد مكامن الخطر الحقيقية مما يتيح للكثير من العاملين في حقل الإرهاب أن يعيد نشاطه وخلاياه بعد تمكنه قانونيا من البقاء في هذه الدولة وما يؤكد ظهور هذه الحقيقة هي رفع أعلام تنظيم داعش في السويد في اكثر من مناسبة والتراشق اللفظي بين الفرقاء الإسلاميين على منابر الجوامع والجمعيات الإسلامية والتحريض على قتل الآخر , وقد كشفت جريمة الاعتداء على مقر مؤسسة الدر في الحادي عشر من أكتوبر 2016 والتي تبنى تنظيم داعش العملية عبر وسائله الإعلامية عن استعداد بعض أعضاء التنظيم المقيمون في السويد على تنفيذ العمليات الإرهابية حين يطلب منهم ذلك, فضلا عن ذلك أن اغلب أعمار الملتحقين في مع التنظيمات الإرهابية هم من الشباب وهذا يعني استثمارا للطاقة الفائضة التي يختزنوها والتي لا تصرف هنا بطريقة سليمة من خلال العمل او الالتحاق بالمؤسسات الفنية والثقافية والرياضية التي يمكن ان تحول تلك الطاقات الى نتاج نافع لهم ولمجتمعهم.

وفي ذات السياق لم تجري عمليات تأهيل للقادمين من مناطق النزاع والمشتركين في العمليات العسكرية فغالبا ما يقوم هؤلاء بعدم التخلي عن أرائهم المتشددة وممارساتهم وعدم قدرتهم على الاندماج مولدين بيئات شبه منعزلة لا يلتقون فيها الا بأمثالهم من المتشددين فضلا عن فشل سياسات الاندماج التي تتعبها الحكومة السويدية وإعلانها هذا الفشل في مناسبات متعددة , هذه العوامل الرئيسية من وجهة نطر الباحث لم تأخذ حقها من البحث والدراسة والمعالجة.

اين سيذهب العائدون؟

قيل قديما في الامثال الدارجة ان " لا دخان بلا بنار" ويرى الباحث في سياق تماشيه مع نفس المثل السابق ان " لا إرهابيين بلا حواضن" ويمكن ان تفسر كلمة الحواضن هنا وفقا للتقسيمات التالية:

  1. المناخات الفكرية التي دفعت هؤلاء الى الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية ( العائلة , الأصدقاء, المدرسة... الخ)
  2. أشخاص معبأين بأفكار متشددة  يؤسسون جمعيات (ثقافية) بالظاهر لكنها تمارس نشاطا دينيا تقدم محاضرات وغالبا ما تكون مغلقة على عدد محدود من مرتاديها!وهو ما يتفق مع نظرية سثرلاند في الاختلاط التفاضلي وتبين كيفية انتقال السلوك الإجرامي عن طريق التعليم من الآخرين أو من خلال الاحتكاك بالمنحرفين في تعلم الأشكال الإجرامية والبواعث والمبررات التي تشجع على ارتكاب الجريمة من خلال علاقات شخصية وثيقة بين الأفراد المنحرفين. وتقوم النظرية على عدة فرضيات منها .

أ- أن السلوك الإجرامي مكتسب بالتعلم .
ب- يتعلم الفرد السلوك الإجرامي عن طريق التفاعل مع أشخاص آخرين .
ج- تتم عملية تعلم السلوك الإجرامي في إطار علاقات أولية حميمة وتستفيد هذه الفكرة من  دور وسائل الإعلام في إحداث الجريمة. (6)

  1. الطموحات الشبابية المنفلتة للعب دور يتصف بالمغامرة والجنون لدى الكثير من الشباب.
  2. التفكك الأسري في العوائل المهاجرة وكثرة حالات الطلاق المستشرية فيها وترك الشباب دون رعاية ومراقبة  يسهم بالتحاق هؤلاء بتلك التنظيمات.
  3. وسائل الإعلام الفضائية التي تدعو للطائفية والكراهية وما تنقله من صور مرعبة عن بعضها البعض تتصف بالكثير من التزييف والمراوغة والكذب.
  4. قلق الهوية الذي يعاني منه المغتربون عموما وضياعها وسط تمسك الجيل الاول منهم بهويته الأصلية وتراوح الجيل الثاني بين هويتين غير واضحتي الملامح.

هذه النقاط ويمكن إضافة الكثير لها ستكون ملاذا ينتظر هؤلاء في حالة عودتهم مجددا الى السويد  ويمكن ان تكون فاعلة في دفعهم مجددا لارتكاب أخطاء مماثلة. ويفسر السلوكيون الجدد الظاهرة الإجرامية على أساس أنها استجابة نمطية داعمة للتوتر والقلق الناتج عن استمرار مشاعر الإحباط وقد فسر مورر MAURER الجريمة على أنها استجابة لسوء عملية التطبيع الاجتماعي وإلى الفشل في تعلم القيم وفي امتصاص عوامل الضبط الاجتماعي وعيوب في نمو الضمير(7)

الحلول:

يرى الباحث ان وضع وصفة ناجعة لمعالجة انحراف هؤلاء يعد من الامور الصعبة جدا الا ان ترك المسببات دون علاج سيؤدي حتما لتولد ظواهر اخرى وفي اوقات اخرى ولذلك يقترح الباحث ما يلي:

  1. التدقيق في سجلات القادمين للسويد من مناطق التوتر وعدم ترك المجرمين ممن تلطخت ايديهم بالجرائم طلقاء في هذا المجتمع الامن.
  2. معالجة موضوع الطلبات المتأخرة للاجئين الجدد والتأكد من عنواناتهم وحقيقة سكنهم فيها كونهم لقمة سائغة لدى التنظيمات الإرهابية التي تفكر باستغلال أوضاعهم الصعبة وتنظيمهم في عمليات إجرامية(سطو, قتل, سرقات , اغتصاب.. الخ)
  3. تشديد الرقابة على الخطاب الديني في أماكن ودور العبادة للديانات المختلفة ومحاسبة مطلقو الكراهية في الخطابات الدينية  باعتبارهم خطرا على المجتمع.
  4. التعامل مع بلاغات المواطنين من قبل الأجهزة الأمنية  بصورة أكثر جدية.
  5. زيادة أماكن تزجية الفراغ في مناطق المهاجرين .
  6. زيادة فرص العمل وخاصة لدى أبناء المهاجرين الشباب وعدم تركهم يعانون البطالة المزمنة.
  7. عدم تهويل الأحداث الصغيرة التي يرتكبها المهاجرون من قبل وسائل الإعلام وإظهارهم بطريقة غير لائقة وزيادة نقمة المجتمع السويدي عليهم.
  8. إخضاع العائدين من المقاتلين في التنظيمات الإرهابية الى رقابة مشددة مع تأهيل خاص يثبت فيه هؤلاء تركهم لتلك الأفكار وعدم عودتهم لها تحت أي سبب كان. 

 

من البحوث المشاركة في المؤتمر الدولي الاولي لصحيفة يورو تايمز الذي نظم في ستوكهولم / اكتوبر 2017


مقالات اخرى للكاتب
الرئيسية
للاعلان معنا
هيئة التحرير
هنا السويد
هنا اوروبا
أخبار
ثقافة
آراء
منوعات
طب وتكنولوجيا
كشف المستور
تحقيقات ومقابلات
أخبار الهجرة
من نحن
اتصل بنا
RSS
سياسة الخصوصية



جميع الحقوق محفوظة لصحيفة يوروتايمز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي