هنا السويد| هنا أوروبا| أخبار| ثقافة| آراء| منوعات| طب وتكنولوجيا| كشف المستور| تحقيقات ومقابلات| أخبار الهجرة| رياضة
مقالات سابقة

الارشيف
الشهر: السنة:
مقالات اخرى
تدوينات اخرى
آراء
نعيم عبد مهلهل : المعدان وبابا نؤيل

2017/12/26 01:10:47 AM
هذه المدن المتناثرة مثل دموع المطر على نوافذ العوز بقيت تقاوم حتى حرمانها من سبل الحياة الكريمة ، فأكثر أرياف العالم تمثل المناطق الغنية في بلدانها إلا أرياف الأهوار ومدنه فقد كان الفقر ينخر في أزمنتها مثلما تنخر دودة ( الأرضة ) الخشب وجذوع النخيل والقصب الذي يتألم من شح الماء ونضوبه ، فلم تعد تحتفي بعيد كما في بقية أنحاء أخرى من العالم ، ويمكننا أن نضع حزن واحدة من هذه المدن العطشانة والمسماة مدينة ( الحَمارْ ) نموذجا لقراءة حزنها في اللحظة التي كان العالم يحتفل بأعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة .
 
هكذا كنت أقرا عطش تلك المدن التي كنت أعيش في فردوسها القديم وأمارس هواية صناعة الحلم ، وحين حطت راحلتي في مدن النيون والأمن والهدوء وفي ليلة راس السنة تذكرت ناحية ( الحَمارْ ) وقراها المائية وحزنت لبلاد تمتلك اكبر مخزون للنفط في الأرض ولم تستطع أن توفر لمدنها حلم شجرة الميلاد ومصابيحها الملونة برغبة الأطفال والآباء في حياة هادئة وكريمة ، حياة لا يموت فيها البشر من الشظايا والعطش والرصاص الملثم وأقبية الزنازين ، فكانت قراءتي عن حلم مدينة تريد أن تتخلص من عطشها وحزنها كما يريد الطفل الأوربي هنا أن يتخلص من سعادته الطافحة بالنيونات والألعاب النارية لدورة سنة جديدة: هنا في أوربا ، وفي خلسة من النجمة المستيقظة سينسل ( سانت كروز ) أو الأب ( نيكولاس ) أو كما يسميه أبناء الأهوار العراقية ( بابا نويل ) عبر النوافذ العلوية لغرف الأطفال ، بدلته الحمراء ولحيته البيضاء وكيسه المليء بالهدايا ، ويضعها قرب وسائد النوم وهو يتمنى لهم ميلاداً مجيداً ليوم ولد فيه السيد المسيح ع ، فقط لينثر بذرة الخير على الأرض وتنمو وردة السلام .. من بيت لحم في فلسطين إلى وسادة مريم أصغر بناتي ( 5 ) أعوام يمضي هذا الشيخ الطيب في طرق كلها ثلوج وسرف دبابات وألغام مصائد المغفلين وشوارع لم تزفت بعد وأحياء صفيح لجياع وقرى من القصب والطين وفيلات فارهة في منتجعات أثرياء الرحمة ليصل إلى هذه المدينة الهادئة في الريف الألماني ويسأل عن سومرية بريئة هجرها مزاج الزمن المتحاصص وغياب الشعور بالراحة وأنت ترتدي القميص الملون ليهديها قطعا من حلواه الشهيرة ودبهُ القطني السمين وقبلة إنسانية ليس فيها شهوة ، هؤلاء الذين يختطفون الطالبات الجامعيات في بغداد ويفعلون ما يفعلون ببأس البرابرة وبراءة المغول وتشريع ما شرعه الله في نفوسهم المريضة وبالتالي يطلبون الفدية من ذويهن ، وربما إذا كانت المختطفة غير مسلمة يجبرونها على نطق الشهادتين ، فيصير العرس نورانيا والمختطف الطيب يصير مثل فاتح ومبشر وقديس. تقع ناحية الحَمارّْ في منطقة هور الحَمارْ ضمن الحدود الإدارية لمحافظة ذي قار ــ جنوب العراق ( 360 كم بغداد ) ، وهو واحد من اكبر الأهوار العراقية يلتقي شمالا بمسطح مائي مع هور الحويزة في الجانب الإيراني عبر امتداد هور الجبايش ، وعاش هذا المكان تاريخاً مضطرباً منذ اقدم العصور بسبب التكوين المجتمعي المنعزل لسكان الأهوار ، ولهذا كانوا ومنذ الأزل بعيدا عن أي خدمة حضارية ومدنية ، ولكن هذه العزلة صنعت شعباً عنيداً احب حياته وطقوسها ونال القناعة الأزلية بأن ما يأتي به الله هو ما تقدره قناعة الروح ولهذا كانت تفتك بهم الأمراض ويموتون بصمت وقناعة ، وحتى شظايا المدافع منذ ( الدان ) العثماني إلى مدافع النمساوي لم ترهب فيهم لحظة الوجود ،لكن وجودهم اهتز مرة واحدة عندما صدر الأمر الرئاسي ( الموقر ) بتجفيف هور الحَمارْ ، وهو أعلان رسميا وعلنيا في اغتيال طبيعة والذهاب بها قسرياً إلى الانقراض حتى صار في قناعة أحدهم أن تصبح الأهوار مثل الديناصورات منقرضة ولا تعود إلى الحياة أبدا ، وصار الحنين إلى صورة سمكة الشبوط مثل ذلك الذي يحن إلى أغاني الشباب وذكريات عشق الصبا. أهل ناحية الحَمارّْ بسبب شمول عالمهم برحمة الموبايل والصحون اللاقطة التي علت سطوح بيوت الطين والقصب في منظر لا يخلو من المفارقة أن تدخل روتانا وأغنياتها الساخنة بيوت أولئك الفقراء صاروا يشاهدون العالم كله وهم ممددون على سوابيط القصب ، ولا يهمهم لسع البعوض ووخمة ( الشرجي ) الرطب عندما يحتدم الحوار حول العراق في برنامج صاخب كالاتجاه المعاكس. لقد فتح العالم لهم نوافذه ، ولكن هل استفادوا من محاسن العولمة وإشراقة ابتسامة المذيعات والإعلانات الخرافية عن تسويق عطر فرنسي أو فرشاة أسنان .؟ أظن انهم بسبب تراكم قرون الفطرة والعزلة مازالوا مشدودين إلى تلك البهرجة ، وبعضهم صار يترك علف جاموسته لأجل أن يكمل قصة الوسيم ( مهند ) في المسلسل التركي المدبلج ، وربما صاروا يحلمون كما خلق الله في العالم المتمدن بأن يأتي إليهم سانت كروز بهدايا الميلاد المجيد. لكن بابا نويل يخاف على نفسه من مخاطر الطريق والفتاوى ، وأشياء كثيرة قد يشك فيها مدير ناحية الحَمارْ مثلا أنها تفتح عيون أبناء المدينة فيكثر الطالب والمطالب ، وعليه أنا نفسي تمنيت لرجل الثلج أن يذهب هناك ، فكان رده : يتمنى قبل الهدايا أن تتحسن أوضاع الناس هناك ، يشربون الماء الصالح للشرب ، وتصلهم الكهرباء ، تعبد الطرق وتبنى المدارس والمراكز الصحية ، فليس من المعقول أن يملك ابن ناحية الحَمارْ احدث جهاز موبايل وهو يسعل في الصيف والشتاء ومازالت آثار البلهارسيا ظاهرة عليه ، ومازال طاعون الماشية يهدد جواميسهم وما يقتاتون عليه. ومازال العطش ينهش في أمكنتهم التي ما تعودت يوما على فراق الماء. ربما الدولة مثل بابا نويل تفكر بإنقاذ هكذا عالم وضعته اليونسكو ضمن محمياتها الدولية ، وعليه ينبغي أن تصير هي المعمر لهذه الناحية وغيرها من مدن الأهوار ويصبح السيد وزير الدولة لشؤون الأهوار هو بابا نويل ، لتكون هداياه بدلاً من النساتل والدببة والعصافير ، مدارس حديثة ومرافق سياحية ومشاريع أعمار ، أهمها مجمعات سكن لا يدخل من نوافذ بيوتها البعوض والحرمس ورائحة روث الجواميس. هذا الشعب الأزلي ، والذي صمد مع حضارته كل هذه العصور ، يحتاج مني أنا وسانت كروز والأمين العام للأمم المتحدة التقدير والثناء. هكذا كنت أحلم من أجل تلك المدن التي فقدت عذريتها وسحرها بسبب قدر البلاد وطموح ولاتها وأحزانها التي صنعها براءة وفطرة الولاء للمرجع والمذهب وحسن النية تلك التي تزامن وجودها في الذات العراقية منذ أن وطئت أقدام آدم ع هذه الأرض ومنحها من بعده لذريته الفاضلة نوح وإبراهيم ولوط وأيوب ويونس والخضر ( عليهم السلام ) وغيرهم من أنبياء وقديسي بلاد الرافدين ، من ولدوا على ترابها ومن وفدوا إليها مبشرين ومصلحين وأباطرة وملوك وأصحاب صحائف شعر وفلسفة وحكمة وأساطير......!
 
دوسلدورف 2017

مقالات اخرى للكاتب
الرئيسية
للاعلان معنا
هيئة التحرير
هنا السويد
هنا اوروبا
أخبار
ثقافة
آراء
منوعات
طب وتكنولوجيا
كشف المستور
تحقيقات ومقابلات
أخبار الهجرة
من نحن
اتصل بنا
RSS
سياسة الخصوصية



جميع الحقوق محفوظة لصحيفة يوروتايمز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي